جلال الدين السيوطي
82
معترك الاقران في اعجاز القرآن
وقد قدمنا أنّ موسى خرج لطلب النار ، فوجد الجبّار . ويوسف خرج للنزهة فوجد العبودية . وبلقيس خرجت للنظر فوجدت المعرفة . وطالوت خرج لطلب حماره فوجد الملك . وأنت يا محمدىّ إذا خرجت من الدنيا لطلب مولاك أفتراك لا تجده وقد خرجت لأجله ! كلا ، بل تجده ، وينيلك ما اشتهت عينك ، ولذّت نفسك . ألا تراه قال لموسى لما توجّه تلقاء مدين وجاع وعيى ورفع رأسه فقال : أنا الغريب الفقير المريض - فأجابه : الغريب الذي ليس له مثلي حبيب ، والفقير الذي ليس له مثلي نصيب ، والمريض الذي ليس له مثلي طبيب . فرضى بهذه الكلمات . ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها ) « 1 » : الضمير للساعة ؛ أي لا يصدنّك عن الإيمان بها والاستعداد لها . والخطاب لموسى . وقيل لنبينا ومولانا محمد ؛ وهو بعيد ؛ لأنه قد استعدّ لها . وقيل الضمير للصلاة ؛ وهو بعيد . ( فَتَرْدى ) « 1 » ؛ أي تهلك . وهذا الفعل منصوب في جواب لا يصدنّك . ( فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ ) « 3 » : لما ذكر موسى عليه السلام المنافع التي كانت في عصاه بسؤال اللّه له أمره أن يلقيها ليرى فيها عجائب غير التي كانت فيها ، ويعلم أن اللّه يؤيده وينصره ويعزّه ، فألقاها امتثالا لأمر ربه ، فقلب اللّه أوصافها وأعراضها ، فصارت حيّة تسعى ؛ أي تنتقل من مكان إلى مكان . والحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى ، والصغير والكبير . وقد قدمنا أنّ اللّه سمّاها بأسماء مختلفة : بالحية ، والثعبان ، والجان ؛ فأراد بالحية أول أمرها صغيرة رقيقة ، ثم تتزايد وتصير كالثعبان في سرعة حركة الجان .
--> ( 1 ) طه : 16 ( 3 ) طه : 20